العراق هو مثال الدولة العربية الحديثة التي عاد إليها الاحتلال المباشر للمرة الثانية في أقل من تسعة عقود. لا يختلف العراق في إرثه من دورة الاحتلال الأول، وأهبته لمواجهة الاحتلال الثاني، وسلوكه تحت الاحتلال، ومخاض الهوية ما بين الاحتلالين، واستعداده للتصدي لمشروع طائفي موازي للاحتلال، لا يختلف عن أي دولة عربية حديثة أخرى نشأت على الرقعة الجغرافية للنظام السياسي الزائل للحضارة العربية الإسلامية.

 

اتخاذ العراق "مثالاً" في عملية دراسة المشكلة من جوانبها المختلفة يأتي بعد وقوعه تحت الاحتلال العسكري، والتقاء مصالح أقليات فيه وفي المقدمة المؤسسة الدينية الشيعية، والأحزاب القومية الكردية مع مشروع الاحتلال، وزوال "الدولة الوطنية" فهماً وواقعاً، وانتفاء المحاذير التي ربما حالت في مجتمع آخر دون فتح ملفات معينة سداً لباب الذرائع، أو عملاً بقاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" التي تبنى عليها الاستراتيجيات عند أهل السنة.

 

ما حدث منذ سقوط بغداد 1423هـ/ 2003م هو وسيلة إيضاح ميدانية، وتجربة مختبرية لسلوك دولة "الذات المستعارة" أمام المشاريع الانشطارية للأقليات الطائفية، التي يذكيها الاحتلال الأجنبي، أو الابتزاز السياسي، وهو سيناريو لا يصعب إعادة إنتاجه في أي بقعة أخرى، لا سيما أمام تراجع مفاهيم الأغلبية التاريخية وهيبتها الاجتماعية، اللذان هما المادة اللاصقة الحقيقية للمجتمعات.

 

ما يحصل على أرض العراق هو دلالات ميدانية للنتائج الطبيعية لتخلي أغلبية تاريخية عن مفاهيمها وأدوارها ومسؤولياتها في إدراة مجتمع فسيفساء، لصالح كسوة ثقافية ترقيعية أسمها الثقافة الوطنية، ما لبثت أن مزقتها الأقليات وكشفت عن سوأتها مع حلول الفرصة الأولى.

 

ما يحدث على أرض العراق ويشاهده العالم بالصوت والصورة، هو صورة طبق الأصل لما حدث للأغلبية العربية السنية على أرض لبنان، التي تهاونت في أدوارها، مخلفة فراغاً آيديولوجياً، سرعان ما تحرك فُرس جبل عامل لملئه، الذين أضحوا اليوم واجهة البلاد.

 

 وحدث في سوريا التي التفت حول عنقها الأقلية النصيرية، مستغلة أداتي الفكر القومي والمؤسسة العسكرية، ووضعت البلاد في المدار الإيراني. أما أرض الكنانة والمطالبة بتدويل الأزهر والأضرحة فيها فليست أخبارها عنا ببعيدة، وشمال أفريقيا على الطريق.