إذا كانت مقولة: التاريخ يعيد نفسه صحيحة، وهي
كذلك، فلابد أن التاريخ قد أعاد نفسه مرات ومرات في غضون الأربعة عشر قرناً من عمر
هذه الحضارة. وإذا كانت أمتنا تقف أمام امتحان عسير اليوم، وهي كذلك، فلا أدعى
للطالب وقت الامتحان من مراجعة ما مر به الأسبقون. هذه نقطة.
الأخرى؛ هي أنه من
يحرص على الإجابة على سؤال: إلى أين أنا ذاهب؟ فالإجابة على سؤال: "من أين
أتيت؟" تسبق، لأن الإجابة الثانية تحدد طريقة الإجابة على الأولى وتحدد سقفها.
فاليتيم الكسير الذي لم يتعرف سوى على العوز، وقد ينتهي به الطموح عند افتراش
مساحة صغيرة من الأرض لكسب العيش وسط عمالقة السوق، هذا اليتيم يرتفع سقف طموحه
عندما يقال له: إنهض، إنك سليل ذلك النسب، وحفيد ذاك الجواد الذي شق طريقه في
الحياة، وعم خيره الناس، وأغاث الملهوف، وأقرى الضيف، فتدب الثقة في نفسه، وينهض
ليضاهي الجد ويطاول عمالقة السوق.
أهل
السنة المعاصرون أيتام سياسة، إبناً عن أب عن جد، ثلاثة أجيال على الأقل، لم يعاينوا
أمجاداً سياسية، ولم يقرأوا عنها، ولا يعرفوا فضل مفاهيمهم السياسية حتى وقت قريب،
على مفاهيم أوربا المعاصرة (وليس أوربا العصور الوسطى فقط)، التي يشعرون بالضآلة
أمامها، وترتضي نفوسهم افتراش مساحات صغيرة في أسواق السياسة، وجلب بضاعة من أسواق
الجملة الرأسمالية أو الشيوعية أو القومية أو اللبرالية، وبيعها في سوق المفرد
المحلي، بعد أن كانوا هم باعة الجملة.
ليست هذه المرة الأولى التي يجد فيه النظام
السياسي لأهل السنة نفسه محاطاً بالخصوم، الزيادة هذه المرة هي أن الدولة الوطنية
الحديثة حرمت أهل السنة من التعرف على نسبهم السياسي الصحيح، لصالح ثقافة وطنية تجتثها
اليوم الرياح الطائفية من جذورها أمام أعينهم، وتتملك الحيرة "المواطن السني"
الذي بات يعامل ويقاصص على هذا الأساس، وهو يحاول التعرف على حلفائه الحقيقيين في
هذه الأزمة، والبحث عن أوراق سياسية في لعبة ليس له فيها سابق عهد، فراح يتوسم
ضالته ومنجاته عند قتلته، كالمستجير من الرمضاء بالنار.
امتحان اليوم قد لا يكون الأسهل في تاريخ هذه
الحضارة، لكنه ليس الأول، والمحطات التي مر منها المسار السياسي خير وسيلة إيضاح
ميدانية لولادة وتطور وكبوة ونهوض النظام السياسي لهذه الحضارة،
و"ديناميكيتها" في ابتكار الحلول والخروج من المآزق.