كل احتلال أجنبي يبدأ بفكرة، وتقطف
ثمرته فكرة، وما بين الفكرتين حرب، أي أن الفكرة تشكل ثلثي مشروع الاحتلال، والثلث
المتبقي هو المجهود الحربي، وهو وسيلة، وقصر التعامل على الوسيلة قصور. أما إيران
التي لولاها، كما تقول هي، لما سقطت بغداد، فإن احتلالها للعراق وإمساكها
بمفاصله قد مر من دون إطلاقة أو قطرة دم واحدة، أي أن التخطيط شكل أثلاثه الثلاثة.
الناظر
إلى حال العراق والمشرق العربي في أعقاب الاحتلال الأمريكي ونزول الإيرانيين من
هضبتهم نحو سهول بلاد الرافدين، تخطف نظره جملة حقائق، من بينها:
1)
أن المشكلة أعقد بكثير من مجرد تحول
سياسي ضمن حدود سياسية لدولة مجاورة.
2)
الأوراق المحلية المتاحة لدول المنطقة
كل على انفراد، لا تلبي مطالبها في السيادة والإستقرار وتماسك المجتمع.
3)
توغلات سياسية وفكرية صفوية في
المجتمعات العربية، وانتقال هذا الفكر من
"البر" السياسي والنبذ الاجتماعي، إلى قلب الطيف السياسي والاجتماعي في
هذه المجتمعات، وتتماهى اليوم رؤاه السياسية والفقهية في مفاهيم خطها العام، وأصبح
رقماً مهماً في عملية الاصلاح السياسي والاجتماعي في هذه المجتمعات، ما يمثل له
زخماً كبيراً في اندفاعة قادمة.
4)
أحوال ثقافية وسياسية ـ
محلية وإقليمية ـ غير مؤهلة لصد مد فكري طائفي على درجة عالية من الإعداد.
5)
خطر طائفي في طور العنفوان بامتدادات
إقليمية، تقابله ثقافات قُطرية هرمة ومنكفئة تجاوزها الزمن.
6)
دول ومجتمعات ومؤسسات وإعلام كلها تقوم
على سيكولوجية الأغلبية التاريخية، وعلى التعفف الطائفي المقيِّد للأداء في
المناخات الطائفية، ما يضع دول المنطقة وشعوبها في وضع دفاعي صعب، في الوقت الذي
يستمر فيه قضم سيادة الدولة (الأمنية والثقافية والدينية والتاريخية)، وتغزو
الآفات الفتاكة أرضاً أمن زارعها سلامتها جيلاً بعد جيل، واعتاد حرثها وزرعها دون
مبيدات حشرية.
7)
تشبث إيراني بدور مستقبلي في العراق،
وصولاً إلى الهلال الشيعي وسواحل البحر المتوسط، وتطويق الغريم التركي من الجنوب.
8)
علاقات سياسية وثقافية بين دول المنطقة ذات
القلق المشترك، لا تخدم مواجهة الأزمة وتطويقها.
9)
أجواء هولاكية في العراق أطلقت قناعات
شعبية جديدة واسعة النطاق، تمثل طاقة هائلة وجاهزة لإطلاق أي مشروع.
10) انتفاء الحرج الطائفي لدى الشارع أمام حمامات
الدم ومشاريع الدولة الطائفية التي حلت محل الدولة الوطنية، وزوال مفهوم الوطن
والمواطنة.
الحقائق
ناطقة:
أسباب الفناء موجودة، وعناصر البقاء موجودة.
الأولى جاهزة وفاعلة، والثانية خاملة كخامات اليورانيوم، الذي ينتظر اليد التي
تمتد إليه لتخصبه قبل أن يتحول إلى طاقة
هائلة.
المعركة
واضحة المعالم:
اجتياح فكري طائفي ممنهج عابر للحدود، بأدوات
إعلامية وسياسية متقدمة، تموله وتدعمه دولة. وفي المقابل: هبّات استغاثة متقطعة،
تؤججها العواطف، وتمولها الصدقات، ويحجبها الإعلام.
لقد نجحت شعبونا في إحداث ثورة معاصرة في
الإعلام والرواية النزيهة للخبر، سيشهد لها التاريخ، لكن هذا
الانجاز يبقى منتصف الطريق في اتجاه كتابة التاريخ نفسه.
الإعلام وحده لا يكتب تاريخاً، ولا يكوّن رؤية
للمستقبل، بل يبقى التاريخ والرؤية رهينة التقاء الخبر النزيه بالفكر السليم، وهي
الحلقة المفقودة والثغرة المنظورة، التي رصدها المنظار الصفوي، وولج منها بدهاء
على حين غرة من أمرنا.