المواجهة العسكرية في الصراع بين الأمم ليست هي كل شيء، بل هي وسيلة، وفهم كل طرف لسلوك الطرف الآخر وطريقته في التفكير قبل المواجهة وبعدها له الدور الأكبر في تحديد مسار الصراع.

 

وكان متخصصون في علوم الإدارة اعتبروا في دراسات نشرت في أعقاب حرب عاصفة الصحراء، إعداد أمريكا لحربها مع العراق أنموذجاً لكيفية دراسة سلوك الخصم، وشمل ذلك الاعداد: طباع الانسان العربي، وبما يستفز وكيف، وكيفية اللعب على أوتار النخوة والمروءة وغيرها مما يعرف بها  العربي.

وكانت أمريكا أعدت تسعة سيناريوهات شِراك حرب لضمان وقوع صدام حسين في أحدها، لكنه انزلق في الأول!

 

الصراع بين أمريكا والشعوب العربية والإسلامية ليست صراع بارود فقط، ومما جعل مطلع حملتها على المنطقة العربية والإسلامية نزهة سياسية، هو انكسار قطاعات من الأمة أمام بهرج مدنيتها الذي سبق وصول الدبابة.

 

لقد احتل المغول بغداد، لكنهم دخلوا في نهاية الكطاف في دين الطرف المنكسر عسكرياً.

الفرد الأمريكي بسيط إلى حد السذاجة، لكنه متبختر بمدنيته، وهذا التبختر يشتد أمام انبهار شعوب الأرض به، لكنه يتراجع وتتراجع غطرسته عند اكتشافه للحقيقة.

 

هذا ما أثبته سلوك الجندي الأمريكي في العراق، الذي بات يتساءل: لماذا نحن هنا؟ من نحن لكي نعلم الآخرين كيفية الحياة؟ كيف تقوم أمة فتية كأمريكا بدور المعلم لشعوب امتدت حضاراتها آلاف السنين؟ وهي تساؤلات تتناقض مع المفاهيم التي تزرعها دوائر التوجيه السياسي للجيش الأمريكي في عقل الجندي.

 

معرفة الخصم قبل كل شيء، شعار جسدته إسرائيل منذ البداية، ولديها معاهد تتخصص بدراسة طِباع العرب ومللهم ونحلهم، والأحلاف والخصومات بين قبائلهم، وقد سبقها في ذلك الانكليز، حيث كانت تقارير المس بيل التي سبرت أغوار المنطقة العربية، حاضرتها وباديتها، كانت خريطة الحكومة الإنكليزية في حقول ألغام المنطقة.

 

 جهل الشعب الأمريكي بالعالم الذي من حوله، وجهل العالم بجهله، جانب مهم لظاهرة الامبراطورية الأمريكية التي تؤذي شعوب الأرض وتؤذي شعوبها.

 

التعرف على المجتمع الأمريكي عن كثب، وإقامة جسور ثقافة مع عقلائه هو سلاح ذو حدين:

 

-       تجاوز أسوار الإعلام المنيعة التي تعزله عن العالم الخارجي وإيصال رسالة الشعوب إليه.

-       اتقاء مكائد مؤسسات النظام السياسي التي تحكمه وتتصرف بأموال الضرائب التي تقتطع من نتاجه القومي لتمويل آلة الدمار العالمية.