بسقوط بغداد في 2 صفر 1423هـ  الموافق 9 نيسان 2003م، وجد أهل السنة، العرب منهم على وجه الخصوص، أنفسهم أمام حقيقتين رئيسيتين تختصران واقعهم الجديد؛ الأولى: هي أنهم الوحيدون الذين لم تكن لهم مؤسسات توازي مؤسسات الدولة، يلجأون إليها عند غياب الدول ويدبرون بها أمور شارعهم.

 

 الأخرى، والأهم، هي أنهم دون غيرهم، لم تكن لهم ثقافة موازية للثقافة الوطنية المقررة في مناهج المدرسة، يصيغون منها لافتة سياسية تذود عن قضاياهم في حال غياب الدولة وتفكك مفهوم المواطنة. في الوقت الذي رفع فيه غيرهم لافتاتهم الثقافية والسياسية الاحتياطية الجاهزة ـ ربما هي الأصلية ـ وانصرف كل صاحب مشروع إلى مشروعه المذهبي أو القومي، وإلى معقله ومنطقة نفوذه مما كان يعرف بالعراق الواحد.


أما على الصعيد الإقليمي، فإن معالم انهيار الدولة في العراق وتلاشي مفهوم المواطنة باتت تلقي بظلالها على دول الجوار، التي لا تبدو أوضح رؤية أو أكثر أهبة أمام الحمّى الطائفية، التي تظهر أعراضها الأولية تارة على شكل علم إيراني ينقشه تلامذة المدارس على أغلفة دفاترهم في مناطق التداخل المذهبي، أو عبارات "إيران موطني"، أو بالطقوس المذهبية الصفوية التي باتت تؤدى في قلب الحرم المكي وعلى صعيد عرفات والبقيع، أو بمؤسسات ملأها مدراؤها بالإيرانيين، لا على أساس الكفاءة المهنية وإنما لحسابات طائفية، أو بأنشطة السفارات العراقية الجديدة التي تشعل الفتن الطائفية في محيط عملها، أو بتفشي ثقافة الشتائم المذهبية في وسائل الإعلام المسيئة لتاريخ الحضارة العربية الإسلامية وشخوصها.


لقد عرف النظام السياسي للحضارة العربية الإسلامية سقوط مؤسسته الثقافية والفكرية إبان المد البويهي الشعوبي في العهد العباسي الوسيط، لكنه استرد عافيته الثقافية بثورته الثقافية الأولى المسماة "النظامية". وعرف النظام السياسي السقوط العسكري المطلق لرقعة نفوذه إبان الاحتلال المغولي، لكن الحضارة المنكسرة عسكرياً أذابت الغزاة واستوعبتهم في بوتقتها الدينية.


أما أن يتزامن نوعا السقوط، وتلتقي مصالح المشروع الطائفي الشعوبي بمصالح المشروع (الصهيو ـ مسيحي ـ رأسمالي) في حلف استراتيجي، فهو ما أظهرت سني احتلال العراق عدم جاهزية العراقيين وشعوب الجوار على حد سواء للتعامل معه.