استدراك
الثغرة الطائفية
بقلم المشرف
في الإعلام
العربي اليوم، بأنواعه الرسمي وشبه الرسمي والأهلي، جهد غير عادي لتطويق مشروع
تسربل سنوات وعقود بثوب المظلومية والمذهبية، لكنه دخل اليوم طوراً يجاهر فيه بكره
العرب والعروبة والمسلمين، ونجح في الانقضاض على مجتمعات عربية بأكملها وتوغل في
أخرى.

مبررات
الجهد الإعلامي متباينة، منها المبدئي ومنها الظرفي. المشترك في الحالتين هو
المادة التوثيقية العلمية والتاريخية التي تطرق مسامع المواطن العربي والمسلم لأول
مرة وتكشف حقيقة المشروع. ما يجعل الأمر استثنائياً هو دهشة المواطن العربي أمام
حجم الكراهية التي تكشف عنها المشروع، والتي نشأت في محيط الوطن وتربته، وتغذت على
خيراته، وتعلمت في مؤسساته، واكتشاف المواطن أن مدافع الكراهية مصوبة صوب رأسه دون
أن يدري.
هذا المواطن يتساءل:
كيف لمشروع بهذه الغايات والإعداد أن يقوم على رقعة سيادة الدولة؟ كيف يتوارى في
المجتمع؟ كيف لا يكون لمؤسسة الأمن القومي مجسات إنذار مبكر تتحسس المشاريع
التخريبية في بدايتها؟ كيف لا تخصص الدولة لمشروع بهذه القوة التدميرية أكاديميات
ومعاهد استراتيجية أسوة بأكاديميات الدراسات العبرية؟ كيف يبوب تحت عناوين مبسطة
كاختلاف المذاهب الإسلامية؟ لماذا احتاجت الدولة العربية خمس سنوات كاملة من
استباحة شعب عربي قبل أن تكتشف حقيقة الأمر؟ ولماذا لا تجد الدولة من يدير لها
المعركة حتى راحت تدفع الأموال إلى مؤسسات إعلامية أهلية لسد الخلل؟
الجهد
الإعلامي الجديد يستحق كل مؤازرة، لكن المشهد العام بحاجة إلى عناوين واضحة ـ وليس
تلميحات ـ وتأطير آيديولوجي، وتبويب تاريخي، وصياغة يفهمها الرجل العادي لكي لا يصبح
ذخيرة لمشاريع هدامة.
الصورة
الآنفة هي أبعد ما تكون عن الواقع، فقد اندفع المشروع الطائفي في العمق العربي تحت
عناوين ضللتالجمهور والنخب على حد سواء، وتمكن من هدم مجتمعات بأنماط مختلفة: نمط
الانقلاب السياسي الهادئ الذي قادته الطائفة النصيرية في 1970 وخطف
سوريا العربية المسلمة السنية على حين غرة وفي غفلة من شعبها وألحقها بالمدار
الإيراني، ونمط حزب الله الذي يعول على الفوضى الأمنية والسياسية وصولاً إلى هدم
الدولة من الداخل، ونمط الحرب الداخلية في اليمن، ونمط الغزو الخارجي كما في
العراق.
الأنماط الأربعة المختلفة لها مولج واحد إلى
المجتمع العربي؛ وهي النفاذية العالية لأسواره الثقافية، ونزعة الاسترخاء في شخصية
المدرسة السياسية البانية للمجتمع، التي لم تحتفظ لنفسها بدور الناظم الآيديولوجي
والأمني، دور "كبير المجتمع" الذي تكمن مصلحته ـ هو وحده ـ في تعايش
وتكامل مكونات المجتمع المختلفة.
طوية
العربي البسيطة وفطرة الصحراء ـ وأحياناً سذاجتها ـ التي اصطحبها معه إلى المدينة تبرعت بهذا الدور
وجعلته حقاً مشاعاً لكل مزايد، فضاع العربي وضاع معه عياله.
الجهد
الإعلامي الجديد متأخر لكنه لم يفت أوانه، والسبب هو أن للمشروع الطائفي نواهض
ثابتة تتكرر على مختلف العصور، ومآلات واحدة كذلك. أما نواهضه فهي الغفلة الثقافية
الجماعية للمجتمع، ومآلاته هي افتضاحه في خضم يقظة وتعافي المجتمع، عندها تكتمل
الدورة القصيرة للمشروع الطائفي ويبدأ بالتقهقر. وقد أصيب المشروع الطائفي المعاصر
بضربات قاسية في مواجعه، ليس بأقلام النخب فقط وإنما بألسنة العوام، وهذه هي أهم
مرحلة يبلغها المجتمع في صراع مع عدو يريد استئصال شأفته، وهي التحام قصص العوام
بنظريات النخب.
في معركة كهذه لابد من التعرف على الذات. فعلى
الرغم من كل ما كتب وقيل على الشاشات والمطبوعات والانترنت، فإن المدرسة البانية
للمجتمع لن تتحرر بالكامل من الأغلال الأدبية التي تقيد "كبير المجتمع"،
ولن تخرج عن سلوك "أم الولد"، ويبقى في فمها ماء يمنعها من قول الحقيقة
كاملة، الأمر الذي ينبغي تجاوزه.
في مطلع
القرن العشرين شكلت الأحداث الكبرى وانهيار النظام السياسي للحضارة العربية
الإسلامية ممثلاً في صورته الختامية (العثمانية) وقيام "الثورة
العربية"، شكلت تلك الأحداث هزة عنيفة للشخصية العربية السنية *، التي كانت خيمة سياسية عاش تحتها أتباع الأديان والمذاهب
والأعراق المكونة لفسيفساء الشرق، وأحدثت تقسيمات سايكس بيكو إرباكاً لجغرافيتها
السياسية.
كانت
"الثقافة الوطنية" التي وضعت مفاهيمها الدولة الحديثة تأطيراً
آيديولوجياً لذلك الإرباك الذي نقلها من السمة العالمية إلى السمة القومية ثم إلى
القطرية، لينكمش الفكر بموازاة الجغرافيا، ويصبح المفهوم القطري هو أبعد نقطة في
آيديولوجية هذه الشخصية.
رغم
الإرباك الجيوسياسي لم تتوقف الشخصية العربية السنية عن عطائها، واستمرت بأدوارها
السابقة وتطبيقات نظرياتها في الاجتماع السياسي. ويعزى لهذه الشخصية في المرحلة
الجديدة فضل نشوء كيانات مدنية آوت في حقبة اضطراب سياسي وأمني وعوز معيشي
الأقليات التي عاشت في كنف نظامها السابق قروناً طويلة، هذه الكيانات هي التي
ستعرف فيما بعد بالـ "الدولة الحديثة".
شكلت
المفاهيم الاجتماعية للشخصية العربية السنية وتكوينها النفسي مادة صمغية لأجرام
ونيازك مذهبية ودينية وعرقية انفلتت من مدارها السياسي السابق، افتقرت من دونها
إلى مقومات ذاتية للتعايش في مجتمع واحد، ولم تضمر هذه الأجرام والنيازك
(الأقليات) لبعضها غير الشك والمكائد، ولا ثقافة سوى الكراهية، ولا صيغة تعايش سوى
الكانتونات، ولا نمطاً اقتصادياً سوى الابتزاز، وهي تثبت ذلك في العراق اليوم
ويقتتلون على النار والكلأ والماء التي هي أدنى درجات السلم الاجتماعي لبني
الإنسان.

لا خلاف أن
الدولة الحديثة انطوت على جوانب من الظلم الذي طال الجميع، والفساد الفكري
والأخلاقي، إلا أن التكوين الفكري والخزين الاجتماعي لـ "كبير المجتمع"
أمداها بشريان الحياة وأضفيا عليها طبيعة ضمنت الأمن والحقوق والتعليم والخدمات
العامة للجميع، ولم تتحول الدولة إلى كيان طائفي فاقد لسمات المجتمع، يجعل
الانتماء الطائفي والعرقي سلماً للارتقاء.
كانت
الشخصية العربية السنية هي من تحمّل فاتورة قيام الدولة الحديثة، والثمن هو
مفاهيمها الفكرية والحقائق التاريخية عندما قبلت بالعيش على قدم المساواة الثقافية
والتاريخية مع شركاء الكيان الجديد (عيال كيان الأمس)، واقتسام أوسمة التاريخ مع
من لم يضع لبنة واحدة في صرح الحضارة، ولم يكن له شرف إيصال مشعل الرسالة إلى شبر
مربع واحد من المعمورة التي يرفع فيه اسم الله اليوم، أو أضاف شبراً مربعاً إلى
رقعة العالم الإسلامي، فضلاً عن أن يحرر شبراً مغتصباً، بل كان عوناً لكل معتدي.
لم تكتفِ
هذه الشخصية بهذا القدر من إطلاق النار على نفسها، حتى راحت تشرعن للقسمة الثقافية
الضيزى، وتضفي عليها قداسة وطنية لتصبح "الثقافة الوطنية" ماءً يملأ
فمها ـ هي وحدها ـ أعجزها عن النطق وهي ترى خنجر الطائفية والشعوبية يغرز في
أحشائها، وأعجزها ثانية وهي ترى الأقلام الشعوبية تشوه تاريخها وتجعله مناهج
تربوية للأجيال الجديدة، وأعجزها مرة ثالثة وهي ترى دولاً تسقط بكاملها في شراك
الطائفية كما في سوريا التي خطفتها الأقلية النصيرية تحت لافتة القومية العربية،
وأعجزها مرة رابعة وهي ترى دخول الدولة النصيرية طوراً إقليمياً وإسقاطها للبنان
في قبضة إيران تحت لافتة الجامعة العربية، وكادت أن تسقط
العراق في حربه ضد إيران، وأعجزها عن النطق مرة خامسة وسادسة وعاشرة.
أريد
للثقافة الوطنية أن تكون كساءً يستر السوءات التاريخية والشذوذات الفكرية
والمذهبية للأقليات، أملاً في مجتمع أسنان المشط، وزاد المسلمون ـ في مصر في حقبة
المد القومي ـ فتوى تجيز للمسلم التعبد بما يسمى بالمذهب الجعفري الذي يسفه حرمات
الإسلام وعظماء التاريخ العربي الإسلامي. لكن الأقلية الشيعية أصرت على تمزيق
الكساء ورميه في أول فرصة، وعلى كشف السوءات، وعلى رقصة التعري مع أول قدم أمريكية
تطأ تراب الوطن في العراق، ومزقته قبلها الأقلية النصيرية في بلاد الشام مع مجيء
الثورة الإيرانية التي تحالفت معها ضد عرب العراق، بل مزقته مع أول قدم فرنسية تطأ
أرض بلاد الشام في مطلع القرن الماضي، ومزقته على أرض لبنان العربي بإعلان تبعيتها
لولاية الفقيه وإطلاق أسماء قادة مجوس على مؤسساتها.
هكذا بنت
الشخصية العربية السنية مجتمع الدولة العربية الحديثة، وهكذا يتفكك هذا المجتمع
اليوم عروة عروة، ويتفكك معه مفهوم الوطن والمواطنة، وتتفلت المجتمعات من أيدي
بناتها ورعاتها.
هذه
الشخصية، بصفاتها العروبية الوراثية، والأخرى المكتسبة التي أكسبها إياها الإسلام،
لا يمكن أن تفكر بغير طريقة الكبار، وما لم تفعل تعود المنطقة كما كانت ساحة
لتنافس المصالح بين الفرس والروم والناس هم الوقود، وهو سيناريو تظهر معالمه
اليوم.
ظلت هذه
الملفات حبيسة الصدور ـ مكانها الطبيعي عند "كبير المجتمع" ما ضُمِنَ
الحد الأدنى من المصلحة العامة والأمن القومي ـ ،
أمَا وقد بيعت هذه المصلحة في المزاد العلني واستبيح الأمن، فقد آن لها أن
تخرج، وهي إذ تخرج فإنها جرسٌ إنذار لأهل السنة لمراجعة مسارهم وتحمل مسؤولياتهم
تجاه مجتمعاتهم، ومن يأوي إلى خيمتهم من الأقليات فهي ملاذهم الآمن الوحيد.
ما سبق
يقود إلى جملة أمور:
·
كشف تفاقم المد
الطائفي عن ثغرات خطيرة في مفاهيم الدولة العربية الحديثة مر منها المشروع
الشعوبي، منها: مفهوم المواطنة، عزل المؤسسة الدينية عن آليات الأمن الاستراتيجي
والقومي. التقريب بين المذاهب. المفهوم الآيديولوجي للأقلية والأغلبية، الذي هو
ليس مفهوماً عددياً في مفاهيم الحضارات.
·
للأقليات حقوق صانها
مجتمع الحضارة العربية الإسلامية، هذه حقيقة. الحقيقة الأخرى هي أن ضيق ثقافة
الأقلية لا يضعها في مقام بناء وإدامة وإدارة مجتمعات تتسع للآخر، ويدفعها إلى
تقسيم المجتمع على أساس الطائفة والعرق في أول وهلة تؤول إليها الأمور.
·
في حقبة المد الطائفي
الذي بدأ مع الثورة الإيرانية، برز دور المؤسسة الخيرية غير الرسمية (القطاع
الثالث) وغالباً الإسلامية، في الدفاع عن الأمن القومي ومفاهيم الأمة، والتوعية
الجماهيرية، وبقي هذا الدور عفوي الطابع ومذبذب العلاقة مع الدولة.
·
برزت في هذه الحقبة
مساحة استراتيجية مشتركة بين دولة ثبت عدم كفاءتها في مواجهة الآيديولوجية
الطائفية، وبين مؤسسات غير حكومية حريصة على تفادي سيناريو إسقاط الدولة وشيوع
الفوضى التي يعمل في اتجاهها المشروع الطائفي كما في العراق ولبنان واليمن.
·
الحاجة الماسة إلى دخول
الدولة في علاقة منظمة مع القطاع الثالث والاستثمار فيه، والدخول معه في مشاريع
استراتيجية مشتركة على غرار الدول المتقدمة التي تطور فيها هذا القطاع على نحو
كبير وبات يضع عن الدولة أعباءً كبرى ويحرر لديها طاقات يمكن صرفها في مجالات
أخرى.
·
تشكل المشاريع
المشتركة في وقت الأزمات مساحة توافق قطعي بين الدولة وبين المؤسسات غير الحكومية،
تفتح الطريق أمام مشاريع مشتركة في مساحات أقل قطعية، ونشوء علاقة من نوع جديد بين
الطرفين، وقطاع جديد إلى جانب القطاع الحكومي والقطاع الشعبي هو القطاع الحكومي ـ
الشعبي. وتكون الدولة العربية قد ذللت عقبة كأداء وأشركت المؤسسات غير الحكومية في
إدارة شؤون الدولة بطريقة المقاولة، وهي الطريقة التي تنظم العلاقة بين الدولة
الغربية ومجتمعها وتوصل إليها رحيق تخصصاته.
الأزمات محطات مهمة في
تاريخ الشعوب لا تفوّت، فيها تراجع القناعات، وتصنع المعجزات، وفيها يُعاد رسم الشخصية الجماعية
للمجتمع، وهي فرص نادرة الحدوث.
*
الشخصية العربية السنية مفهوم لغوي آيديولوجي مركب، وليس
مفهوماً عرقياً، وقد أدى أدوار هذه الشخصية من الأعاجم أكثر من العرب. حين سأل
أبو جعفر المنصور مولىً لهشام بن عبد الملك سنة 132هـ عن هويته قال المولى:
"إن كانت العربية لساناً فقد نطقنا بها، وإن كانت ديناً فقد دخلنا فيه"